محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

830

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وضللتم عنه من بعد ما جاءتكم البيّنات . قال السدّي : البيّنات محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - وقال ابن جريج : هو محمّد والقرآن . وقال أهل المعاني : هي الآيات الواضحات من البراهين والحجج . فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في نقمته ، قادر على خليقته ، حَكِيمٌ في أمره ؛ وقيل : عزيز أي منيع لا يعجزه شيء ، حكيم في ما شرع لكم من دينه . قال قتادة : قد علم اللّه أنّه سيزلّ زالّون من عباده ، فتقدّم بالإنذار حجّة عليهم . الأسرار قال الذين دخلوا في السلم كافّة : إنّ التسليم كمال حال الرجال ، ومبدأ الإيمان تحكيم ، وكماله تسليم ، ووسطه نفي الحرج عن النفس . قال تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى ( 342 ب ) يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ومن لم يتحاكم إليه في أصول الدين لم يكن له مبدأ الإيمان . ثمّ قال : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ؛ ومن وجد في نفسه حرجا في ما قضى وحكم لم يكن له وسط الإيمان . ثمّ قال : وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ومن لم يسلّم تسليما بالكلّية لم يكن له كمال الإيمان فذلك قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً والكافّة تحمل على المعنيين . ومعنى ثالث يحمل على كافّة أعداد المؤمنين ؛ ويحمل على كافّة شرائع الإسلام أصولا وفروعا ، ويحمل على كافّة الوجوه من العقل حتّى يدخل في السلم من حيث العلم ، ومن النفس حتّى يدخل في السلم من حيث العمل ، ومن جميع وجوه المحسوس والمعقول حتّى لا يبقى له من الكلّ إلّا داخلا في دائرة السلم ، وما سوى ذلك فهو خطوات الشيطان ؛ وكلّ عرق ينبض على بدن الإنسان على خلاف سلم حكم الرحمن فهو من خطوات الشيطان ، وزلل من زلّات الهوى والطغيان ؛ واللّه عزيز في جلاله ، حكيم في أفعاله ، والعزّة والحكمة قرينتا ملكه وملكه في عالمي خلقه وأمره ، احتجب بعزّته عن الخلق فلا يرى ، وتجلّى بحكمته في الأمر فلا يخفى .